Feeds:
المقالات
تعليقات
  • بالخلاص يا شباب – ياسين الحاج صالح \ دار الساقي
  • سوريا الثورة اليتيمة – زياد ماجد \ شرق الكتاب
  • ملاك الثورة وشياطينها (عامان في شمال سوريا) – فداء عيتاني \ دار رياض الريس
  • تقاطع نيران: من يوميات الإنتفاضة السورية – سمر يزبك – مذكرات \ دار الآداب

أكمل القراءة «

Advertisements

في الحديث عن الشبّان الصغار الذين لم يؤذوا عصفوراً من قبل ويفاجئنا كل يوم التحاقهم بالتنظيمات الجهادية العنيفة خاصةً داعش، وقد أصبح من المعتاد رؤية تطوّر في النسب التنظيمي للمجاهد بحيث يبتدأ كمحارب في كتائب متفرقة من الجيش الحر ليلتحق بأحرار الشام ثم جبهة النصرة منتهياً بتنظيم داعش كملاذ أخير وعنيف وحاضن أقصى لتشدد هذا المنتمي،
لا نستطيع ان نُغفل في كل هذا رسائل يقدمها التنظيم خلال استراتيجيته النفسية في قوالب عاطفية ووجدانية تتفق مع شعور الأفراد والعقيدة الدينية التي يؤمنون بها ولديهم الاستعداد التام للتضحية من أجلها.

أثناء تجولي في حقول داعش الإيمانية والدعوية منها لا يكف الخطاب الديني عن شدي وخاصة أني ذات ثقافة إيمانية نشأت في مدارس شرعية سعودية، خطاب كانت تكثفه القنوات الإعلامية الدينية والمناهج المدرسية وتنشره كأطروحة جادة لتجديد الدين، حتى أصبح يبارز التديّن الأقرب للتصوف لدينا في بلاد الشام والذي يورّث غالباً في حلقات علم بعيداً عن دروس التلفاز التي سيطر على مضمونها أموال وعقول خليجية\سلفية.
لا يعد خطاب داعش “الدعوي” غريباً أبداً عما كرسّه الإعلام الدعوي العام في السنوات القريبة ، أحاديث نبوية برزت يحفظها أغلبنا واختيرت من بين مئات الآلاف لتبرز،
توجيه الحركة الدعوية كان لها أثر كبير لتمهيد وعي جيل كامل وذلك منذ حرب أفغانستان الأولى.

في قرار وزاري كانت تستطيع دولة خليجية إلغاء سيد قطب من مقرر ما وتوجيه المدرّسات للعنه، وفي قرار آخر كانت تستطيع إلغاء فصل يحكي عن فضل الجهاد والولاء والبراء واستبداله بطاعة ولي الأمر، هذا كله بعد أن علّمت لمدة أكثر من عشر سنوات المنهج القديم في تمثيلية جديدة تدعي الإصلاح.

إعلام داعش بشكل أو بآخر رهينة إعلام الدول التي أنتجته ومخلوقاً نبت في مناهجها، ليس جديداً أن نعرف أن الفكر السلفي هو الفكر الداعشي لكن بانتقاء أكبر للتشدد وحرص أكثر على الحقد والانكفاء الديني.
لكن ما يجعل من داعش قطباً مهماً ولا يستهان به أبداً -هو وإخوانه في التنظميات الجهادية الشبيهة المستنسخة عنه ولو بشكل غير واضح- ويشد الشبان الصغار لنخسرهم شيئاً فشيئاً ، بغض النظر عن العطاءات المادية وتوفير فرص عمل.
أنّ هذه التنظيمات كلها تعمل على المستوى العاطفي الذي يتجاوز المستوى الإدراكي والعقلي في جاذبيته وهذا بالضبط ما خسرته الثورة.
لا يجذب الإعلام الجهادي المهاجرين بالعقل أو المحاججة الخطابية بل يحوّل نفسه شيئاً فشيئاً إلى ممثّل وحيد للدين الأصفى والأنقى الخالي من لوثات الحداثة، وبالمقابل تتحول الحوامل الثورية شيئاً فشيئاً إلى كيانات عاجزة عن اقناع من التف حولها بل ومن خلقها بجدواها الانتمائي.

أصبح الثوري الآن هو اللامنتمي إلا للحطام، يقاتل حتى لا يهزم نفسه، ويبقى حتى لا تفرغ الأرض وتنهار دونه، وفيّاً لعهدٍ قطعه للدماء ولعدلٍ لم يسمع عنه قط، ولتاريخه الصغير المفاجئ.
أمّا البسيط ممن حمّلوه الراية السوداء أُقنع بأن الأرض لله و أنه ينتمي لعقيدة الهجرة والجهاد، وحياة ليست في هذه الحياة، ولتاريخ ستعود أمجاده؛ تاريخه المتخيّل الطويل الممتد الذي كتبه المنتصرون القدامى كأمراء حربه،
والذي يتماهى مع فكرة الاستعمار الصافية التي خلقت الثورة لتنفيها.

أول زيارة لي لمخيم الزعتري جاوزت السنتين، شاهدت أمهات، بل أكثر من شدّني هم الأمهات، كنت أتبع عيونهن التي تتبع الأطفال المنهمكين باللعب، تحدثت مع الكثير من الأطفال الذين أخبروني أنهم “مبسوطين بس بيحبوا سوريا أكتر”، لكن الغصّة التي ابتلعها زمن أنجب الزعتري ولدت في حلق كلّ أم، في كل حرف، في كل حنين، في كل زفرة، سألتهن يومها: ما المخيف في مجمل هذا؟ فأجبن “اتطلعي بهلولاد، كيف راح يربوا؟”..

لا أتحمس عادةً لقضايا المرأة ولا أؤمن بعجزها المطلق الذي يُصوّر في طلب حقوقها، إلى أن تصير أمّاً !
حينها أخاف… وأخاف أن أستنسخ من تجربتي كائناً مثيراً للسؤال، أطرحه جواباً في هذا العالم على كلّ هذا الألم،
وكما نصحتني أمّ الزعتري لازلت أحدّق في كل طفل يعجز الكبار عن جواب سؤاله المحرّم إلا بكذبات “راجعين ماما … راجعين”

بعد الثورة وفي الحرب حتى تشعر بانتمائك عليك أن تتحول إلى أم حتى لو كنت رجلاً، أن تمنح جسدك رحماً يدفن فيه كل شيء تغيّر عليك، لتنجب لتشعر لتدمى تبكي تنشج تصرخ تئن تسكت تبكي مرة ليست أخيرة تعتم الدنيا ثم تبقى أنت وأمومتك وحدك،
وأطفالك بعددهم اللامحدود لا يأبهون لك.

لا أجيد تذكّر الأسماء، لكن بحجم ما راح منّي وبحجم ما انطفئ أسمّي…
إلى الخالة أم لؤي والتي تركت ابنها لؤي العشريني ممداً على سرير بسبب رصاصة في العمود الفقري بعد أن كان يضرب الأرض فيهتز لها قلب العدو، بعد أن كان لا يطيق الجلوس في المنزل وأصبحت يدا أمّه ملجأه الوحيد، إلى روحك المتماسكة بين كيان لؤي المنهار، كلّ السلام.

إلى الخالة أم حسين والتي تربي أبناء ابنتها التي خطف روحها الجلاد وروح زوجها في سجون الجوية، تلمّ فتات الأرض كي لا تفقد من بقي لها من قلوب، بعد أن خُطف زوجها ايضاً فصارات أمّاً كثيرة كثيرة أكثر مما يحتمله جسد، لا تعلم أين تسكب دموعها في قبر ، أم عتم زنزانة، أم في دم الأغصان الغضة؟ في هذا اليوم لك كلّ السلام.

إلى الخالة أم ربيع والتي لا تنتظر أحداً، تجلس على قطعة سما وترسل صلوات بلا انتهاء، تعلم أن قطعة روحها لا يعزم الرجوع وتدفعه نحو الجبهات دفعاً، وأن ما ستنجبه الزوج الصابر في الرداء الأبيض هو من سيحمل اسمه يوماً ما ويتلو عليها الحكاية، وحتى لو ما عاد تبقى تصلّي، إلى ايمانك بالقضية بعد الله وله كلّ السلام.

إلى هزار، ربحت حبيباً اختار الجنة وأغلقت قلبها حتى يحكم الله باللقاء، وحيدة إلا من أربعة أطفال وحرقة، قوية إلا من الانهيار، مسالمة إلا من متاهات اللجوء، تعرف أن كل خطوة تخطوها لا تكفي أن تكون لها فقط، بل لأبناء غيرها ويتيمات القلب مثلها، لروحك النضرة كلّ السلام.

إلى أمّي التي أخجل من دمعها حين تعلم أن قلبي ليس لي، وأني دفنت الكثير مني في أقصى البلاد وأحاول لمّ شملي نحو ذاك الثرى،
إليكِ يا حنونة، يا حنيّنة، يامن لا تشبه الأمهات لأن عيوني لا تشبه باقي الطفلات : )
كلّ السلام، وكلّ الحضن الواسع ❤

“تصرخين… وتخترقين صفوف الجنود
نتعانق في اللحظات الأخيرة
في الدرجات الأخيرة… من سلم المقصلة
أتحسس وجهك
هل أنت طفلتى المستحيلة أم أمي الأرملة؟”

تيّتمتُ يا فاطمة،
طيف من الأصحاب الأقرب لا يبرح نَفَسي، قالوا أنهم ذهبوا، وقالوا أنهم لن يعودوا وآمنت بالذي كان.
لكن الصوت العاتي يطلقه جرف الوادي ينحت كلّ راحة أصل إليها، شعور متمازج من فوران الدم والهبوط الحاد في كثافته، من الامتداد إلى الآتي والانصات للماضي بأذنٍ من حذر، ماذا يعني أن نكمل الطريق؟ وماذا لو كان طريقاً لايودي إلى حيث نريد…
النهايات ! النهايات يا فاطمة، لاتهم ما دمنا لا ندور حول أنفسنا، ومادمنا نجدد كل يوم لنشرب الأرض ونمضي،
والنهايات كلّ القضية، مادامت نهاية موج تعبنا بداية لون البحر.
التعب بكل حال يفتح بابه ويمدّ لنا الموائد، يمضي الوقت دون أن نكتنه ما تغيّر فينا، وأعلم أن الزمن لن يعينني فيرسل بدربه إليك الكلام وأجهل إن كانت القرية لا زالت عنوانك، أكتب وأشنق الكلام في الخابية، يضحك مقاتل مني ويتنبأ نسيانك القضية وإنجابك الكثير من الصغار وإن اشتدّ وفاءك ستسمّين أحدهم عُمر، لا أستسيغ ضحكه وأعلم أنك مثلي سلّمت ناصيتك لهذا التعب المحبّب.

“كلّ شيءٍ يفرّ،
فلا الماء تمْسكه اليدُ،
والحلمُ لا يتبقّى على شُرفاتِ العيون
والقاطراتُ ترحلُ، والراحلون،
يَصلونَ ولا يصلون !”

لم أكن أريد من هذه الدنيا سوى أن أعرفكِ وحسب، هذا سريّ الهشّ الذي لم أبح به يوماً لأنسيّ.
لم أكن أريد أن أصبح بطلاً يحلف القاعدون باسمه، أو أن أكون قائداً لكتيبة يحرّك احداثيات الدم من مكان إلى مكان، أو أن أقضي العمر أفكّر كيف سنلتقي صدفة أخرى بعد أن جمعتنا الأولى في بيت فارس، كنتِ بهيّة يومها، عابسة غاضبة على الذين لم يقمهم الدم، وكلّما وصلت اللعنات طرف لسانك أغمضتِ عينيكِ الحالمة حتى لا تنبسي بكلمات لا تشبه فمك المورق.
يومها أشرعتِ في هبوطك مثل إنانا إلهة الحرب والحب حين هجرتْ الأعلى العظيم إلى الأسفل العظيم ، شدّتْ إلى وسطها ألواح الأقدار السبعة، وعلى رأسها وضعت تاج السهول، مسحت وجهها بالزيت والطيوب، ثم مشت في طريقها إلى العالم الأسفل. كانت إنانا أوّل من زرع بذرة القمح في الأرض !

أخجل التذكّر كيف انثنيتِ تحملين عنّي كتاباً رماه فارس ولم أنجح في التقاطه، كان الكتاب ديوان “العهد الآتي” لأمل، يريد مني فارس أن أتعلّم الشعر وأجلي عني قسوتي الظاهرة، لم يكن يعلم أن يداكِ فتحت في أرضي الدم الحيّ،
وأنك غيّرتني… غيّرتني يا أخت زينب !!
كما لم تنبت أرضٌ من طينها سماءً من قبل، وعقدك العقيق العتيق حين أسرني، وسلَبَتك إياه رغبتي به…
من يومها لا تخافي يا فاطمة أغلقت عليه وجعي بكِ وجعبة سرّي، ما زال معي يحرسني من المرارة.

بعيداً عن هذه الأيام التي تصنع مني كائناً من ورق. أنا بخير….. تصلني صلواتك التي أحيا بمائها من دون ماء، ها حال الرؤى حين تخبرني.
سننتقل في الأيام المقبلة إلى جبهة أخرى ونلج العاصفة، أسميتها فاطمة، لست أدري أيّ ريحٍ بعدك ستعصف في فضائي وتقتلعني من ثباتي كما صنعتِ !
الرفاق بوجههم العتيق يتحاشون الحديث عنها، كلنا نوقن أن الضباب سيضيّع جهاتنا، لكن الثلج لازال أبيض،
علاقتي بالثلج وبكِ ليست علاقة قراءة فقط ! إنه إحساس بالحياة، وصلاة تدفق كلّما تأملّت أكثر بالوضوح الخفيّ.
نحاول في المقام الأول حفظ السلاح بعيداً عن أي أذى فلا نملك الكثير منه، ونستعد لأخشن الأيام، لا ننام كثيراً ولكي أستبقي قدراً من الدهشة التي عفا عليها الإلف فأوقظ المقاتلين كل صباح بضربة شديدة على الظهر، اليقظة قد تكون عنيفة لأن النوم ثقيل !

“أيها الواقِفونَ على حافةِ المذبحهْ
أَشهِروا الأَسلِحهْ!
سَقطَ الموتُ; وانفرطَ القلبُ كالمسبحَهْ.
والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ!
المنَازلُ أضرحَةٌ, والزنازن أضرحَةٌ, والمدَى… أضرِحهْ
فارفَعوا الأسلِحهْ واتبَعُوني!
أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحهْ
رايتي: عظمتان.. وجُمْجُمهْ,
وشِعاري: الصَّباحْ!”

كانت مشهدية اليوم مزلزلة رأيت غراباً يأكل جثة عدو ملقاة، عيناه بالذات، كان يلقف عيناه ! ولوهلة ظننت أن قدم العدو تتحرك.
أتعلمين من العدو يا فاطمة؟ لا أحد يعلم !
حين غرقت الشمس كانت الظلمة تبلع أقدامنا ولكنها أكثر أمناً من الضياء، نعرف كيف نلبسها فنستحيل سوادا، وكيف نُلبسها للعدو فيهيّأ له أننا هي ولا يرى شيئاً. حين استقر بنا الحال إلى زاوية أقل هدراً للضباب ركض صديق من مجموعتنا باتجاه المدى العاتم ولم يرجع بعدها. كنا نمزح ونتحداه أن يشقّ الليل ليسحب الشمس، فتحوّل بعدها هزلنا إلى جد، حملنا عتادنا وأطفأنا النار وعمّ الصمت، من يومها لم يرجع حمّود أصغرنا، من يومها صار السمت شعار المرحلة والصمت بكاءنا المتكسّر في العيون،لا نعلم ما حاله ولا حبل يودي بنا إليه.
أتعلمين الآن من العدو يا فاطمة؟ لا أحد يعلم !

يبعث الوقت الذي مرّ عبثاً خصباً بغرابته اعتدنا هذه الحياة دون أن نسأل ونعلم أنها أقصر من أن تتبدل وأهشّ من أن تجيب وكأن الذي يجري دوام، تعيش نفوسنا المهشّمة داخل التكرار الذي لن يتكرر، وداخل حكاياتنا الصغيرة البسيطة في الكتاب المعقّد الأوسع، وداخل أغنية الحماسة التي تشبه جندياً انتشى بمجده لحظة فوقع فيها إلى الأبد !
جلستُ مرة أدندن (منتصب القامة أمشي) كانت رقبتي محنيّة بعض الشيء، طغت ابتسامة تهكم في خفائي… المهم الروح فاطمة ! منتصب الروح أمشي، أو أظن…

“وأنا كنتُ بين الشوارع وحدي
وبين المصابيح وحدي
أتصبب بالحزن بين قميصي وجلدي
قطرةٌ قطرةٌ كان حبي يموت
وانا خارجٌ من فراديسه
دون ورقةِ توت”

يا ليت كلّ الليالي تشبه ليلة كهذه، ضوء قمر يسند خطّي، ووجه حمّود على القمر، وأنت تنصتين يا أميرة.
سأخبّئ الكلمات تحت سترتي الثقيلة علّي أصل إلى مطرح أدفأ.
أقنتي لربك فاطمة وصلّي لي، للحكاية عشرون باب وأنا خلف الواحد والعشرين، وأنا أقف خلفكِ…

“أحُبّكِ،
صار الكَمَاَنُ كعوبَ بنادق
وصار يمامُ الحدائق.
قنابل تسقطُ في كُلِ آن…
وغاب الكَمَاَنْ!
وغاب الكمَانْ”

.
.
.
.

*القصائد المقتبسة للشاعر أمل دنقل من ديوان “العهد الآتي”

حاولت أن أكتب عن رزان وسميرة ووائل وناظم -مع حفظ الألقاب- كناشطة سايرت تطورات الثورة منذ شهر شباط 2011 ، ثم حاولت أن أكتب كمؤمنة بأهمية الصوت المدني في غمرة الفزع المحيط للسلاح، غيّرت رأيي لأكون كاتبة ومطالبة بحقوق الإنسان بعيداً عن التصنيفات التي أُرهقت بها القضية والايديولوجيات المتناحرة ما بين الخاطف والمخطوف، وأخيراً كأديبة تذرف الكثير من القراءات المتعالية عن الواقع لأمكث في نقطة الحزن الحرجة وليل التمني المؤرق.

أعلم أن الصفة الوحيدة التي عليّ اقتباسها هي الصفة المتخيّلة من احتمالية عدم الوجود المثالي، كناقلة لحلم أو تجربة باتت مشوشة لا يهم أن أفهمها أو أجمّلها بقدر ما يهم أن أوصلها ما استطعت، هذه التجربة لشخصيات من الممكن أن تتكرر تاريخياً لكن كتكرار مفصلي حقيقي ناقل في امتداد التاريخ.

سأل سائلون لم رزان زيتونة؟
كان كل ما جرى منذ سنة يعد حادثة غير قابلة للتفسير منزوعة الأدلة إلا من بعض القرائن التي يسعى المقرّبون من رزان وسميرة وناظم ووائل لربطها كي توصل الحبل إلى حقيقة ما مغشّاة ومغلقة حتى لو وصل إليها.
كانت رزان ذات وجود مدوّي من حيث امتلاءها بالثورة، تشهد بذلك منطقة دوما والغوطة المعدة من أخطر المناطق عالمياً ، ترك أغلب نشطاء الغوطة البلاد بسبب التهديد والتضييق المتتابع المقصود من جهات كانت السبب الرئيسي في تغييب رزان أو التواطئ مع من غيّبها.
هذا المجهول الحاضر؛ المجهول لصعوبة تسميته قطعاً والحاضر لوضوح تبجّحه واستهزائه بذات السؤال الموجّه له كما ظهر في آخر تسجيل.

لم يكن الفرسان الأربعة وحيدين في صحراء قاحلة ، كانوا حالة متكاملة تعيش بكامل عنفوانها وزهوّها حتى الآن في داريا ودوما ومخيم اليرموك بأسماء معروفة أو متخفّية ، يستشهدون يومياً ويموتون جوعاً ويبكون على جنّة تستحق البكاء حتماً، البلد التي في حضنهم ولا يستطيعون عمل شيء لها سوى الصمود ثم الصمود ثم الصمود ثم الموت.

لازال بعض الرفقاء مرابطين، أخبرني منذ مدة أحد شباب الغوطة أنه يخشى الاختطاف، وفي ذات الوقت يحرص أشد الحرص على كلمة الحق في كل بيان أو مقال حتى لو كلفه ذلك غيابه النهائي المريع المحتمل بنسب عالية، وأن الحلم بالدولة المدنية أصبح ينافس الترحم على أيام الأخلاقية بمساوئها الفجّة . أيام الأخلاقية؟! ما هي احتمالية أن تتحوّل جهات محسوبة ضد النظام وتقاتل من أجل الدم المظلوم إلى سلطة عميقة الزور تنافس الذاكرة بسلطة مكافئة لها ذات قناع مخابراتي قبيح مدّعي للفضيلة؟

سيخشى الذين يحسبون أنفسهم على التيار الإسلامي رفع الصوت للمطالبة بمصير النشطاء الأربعة، وستعتبر قضية مدنية مُترفة خارج سياق التيار الذي كسا البلاد فأصبح هؤلاء حقاً هم الغرباء إلا من منظمات أجنبية ليس لها حل ولا عقد ولا سلطة سوا نوافذ الإعلام.

البنى الفكرية العميقة للاستبداد تمتد أوسع وأعمق من كيان النظام الأسدي وحده هذه حتمية غير قابلة للنقاش، والثورة على كيانات وبُنى داخلنا قبل صنمية النظام التي كُسرت أساساً رغم تغوّلها العالمي فينا حتى الآن، فكرة شربناها تماماً.
لكن السؤال الذي يلحّ عليّ اللحظة وأنا اشاهد الحملة السنوية مطروحة من قبل فئة معينة من الثوار ولا مبالاة فئات أخرى والتي من المفترض أن تكون هي الأكثر تأثيراً من حيث امكانية اسناد وبناء لغة حوار ونقاش عقلية وليست غائية فقط مع الخاطف الذي يتشارك معهم الأيديولوجيا العريضة لشكل الدولة والمستقبل. لماذا تركتم فكرة صمود الغوطة وحيدة؟

كان المركز يدافع عن الفرد ضد كل سلطة، وعن العقل ضد كل مظاهر اللاعقلانية التي سادت المنطقة ، لكن يبدو أن الذي تدافع عنه سيدفعك إلى الهاوية ابتداءً، أو أن الدفاع كان حقيقياً وفجاً وواضحاً لدرجة أنه صدقهم قبل أن يصدقوه.

رزان وسميرة ووائل وناظم ومئات المغيبين والمختطفين من جهات مستبدة محسوبة على الثورة، ستبقون انتم شعلة تزيد من وضوح الهدف، وإلا كيف كنا سنعرف المجرم؟

10859647_725353484209181_1976105973_n

نداءٌ خافت…

لو أنّ لي طرف ذاكرةٍ لم تغرق فيك، لتلفّعت بها واختبأتُ في طيّ أكمامي والعزلة، بللٌ في قدميّ مذ عبرتُ النسيان… بللٌ في كنف روحي،
تواريتُ في الكهوف ستة أشهرٍ وطلعتُ أفرد ذراعيّ للنور، لم يعرفْني… لستُ أدري لم تنكّرتْ ليَ الحقيقة واحتجبتْ…
عدتُ واختبأتُ كثيراً ، نسيتْ… أكانت ألف عام ثقيلة أم ليلة مما تعدّ؟ ألف جناح غطّاني أم كان ظلّك؟
ناديتُ حتى هجرتني المرايا وصار ينبثق منها وجوه كثيرة تسحّب وجهي خيطاً فخيط لأكون أحدها… وما عرفتُ وجهي… ولم أجدني…

—-

في الأصل أحبّتني أمّي وعلّمتني كيف أهجّيها بكلمات تشبه ماما ومامي….. لكن أوّل ما حكيتها كان حرف الميم مجرّداً مشدّداً ممتداً، بلا معنى يسكنه عدا تأويل أمّي المجازي لهذا الحرف بسكونه وغرقه الكامل فيها، أنه الكون، أنه احتوائي لدموعها في دمي، هكذا كلّما غنيّته وتسرّبتُ فيه…
كان غريباً لو حاولتْ أمّي انتظار رسالةٍ مكتوبةٍ مرمية تحت وسادتها لأعبّر لها عن رحمها الباكي الذي يكمن فيّ ، وها أنا ذا أرجؤه لما بعد…

في الأصل كانت لغتنا بكاء، لحناً يشبه أنين السما فوق حرشٍ وحيد، صوتاً من حرف واحد ممتد ممتد وممتد … من فم دافئ إلى أذن تنتظر.
كان الانتظار لإله واسع خفيّ، ولنا امتداد حرف ما شجيّ حائر يبحث عنه ….
-فلنجعلها أقل رومنسية؟!-
في الأصل كانت لغتنا وقع خطانا الذاهبة إلى ما نبحث عنه والغائرة فينا ليلاً نمايز بها أصوات الصمت العاتم فيما عداها…
أصوات … ليست مفهومة المعاني لكن مفهومة الفقد الطافي على العيون أو مفهومة الحاجة لعودة أولى لصدفة أولى في منفى الأرواح.

—–

ما الذي تريدين من الدنيا؟ ما الذي تخفين عنّي، تخشين منّي… تبكين؟
أسئلة بعد أن مرّ بي العمر ولم يحررني مُقتطَعَهُ ممّا يُسأل ويُجيب، دميةٌ أنا فتنتها يد غيب عبثتْ بسيناريوهاتها الشتّى ثم رمتها ملويّة الروح على حافة كرسيّ في مقهى مزدحم.
لا آبه لأيّ من العابرين هنا،
كنت فقط أستدلّ من الإيماءة الأولى والملمح الأول على كل من يدخل بمجرد مشابهته لوجه عُمر البعيد. لا شيء أليف يمنح الدفء. والماء في الكؤوس بحر من الملح.

سكنتني صورة الغياب طويلاً وانتشرتْ في دمي مثل مرضٍ نادر، أكلتْ من قلبي ولازالتْ تلحّ عليّ، تهمس … (انظري إليّ… التفتي… شاهدي ما أفعله بكِ…) ولا يد يصل امتدادها إلى اضطرابي فتدفعني إلى حضن الموقد، ولا هاوية أنادي من على حافّتها اسمك ثم ارتمي خلفه.

يا عُمر !
ها ذاته الندا المجرّد الذي هجّيت به أمي، لكنه يبدو أكثر امتلاءً بالمعنى، رغم تلاقيه مع حاجتي غير المفهومة القديمة لندائها ، و جهلي بالندا…
لمَ الندا؟
هل تعلم أنّي أنادي الله لأني أحتاجه؟ هذا العمق يلفّ قلبي، ويحجبني عن أسئلة الباحثين عنه في الكيفية والماهية، أريد الله لأني لا أقدر ألا أريده ، ولأني أضعف من أن أكون واقفة دون صلاته ، ولأنّك راهنت على وقوفي دونك فهبَطتْ من تحتي الأرض وغبتُ مع العَهْد…

—–
زارتني منذ مدّة عرّافة، ادّعت أنّك تقطن في إحدى الجبهات، قلبك يضجّ بالجنود المرابطين فيه كقلبي لا ينوي أحدهم الانسحاب، وكما أن الاشتباكات على أشدّها في جبهة تل الشوك، كنتُ أطمئن لكذباتها وأبكي.
رجوتها بشدّة أن تتردد على القرية بشكلٍ دائم مع أني وعدتك ألا أرجوك، كنت لا أشكو من عجزي عن الحديث إليك بل حاجتي الشديدة لأن أسمعك من خلال الفناجين والوَدَع وكفّ يدي…

حكتْ ذات مرّة حكاية طويلة أخافتني واستدعت الأنثى المحاربة الكامنة فيّ، سألتني عن عمري وكنت أجهل أين وصلت فيه، فاحمّرت وجنتاي،
انتفضتْ العرّافة ووقفتْ ، أخبرتني أن ماء النهر سينضب قريباً ، الرياح ستهبّ عاتية من الجنوب وأنّ الشمال سيغوص في بلدٍ آخر ويجتاحه مسرح من الزهر أحمر…
سألتها عن جبهة تل الشوك تحديداً، فتحت كفّي وابتسمت، ثمّ غنّت:
“مدري ع أي جبال نزلت مراكبهم المضويّة، يا ريت شي خيّال عنهن يخبرني بسهريّة، قومي انزلي عالدار نحكي حكايتهن المنسيّة”

خفتُ كثيراً كثيراً و وددت لحظتها لو تحولت هذه الإنسانة إلى رسمٍ شفاف ، ذهبتْ يا عُمر دون أن تختفي، وبقيتْ دونها الكذبات وخوفي، نويتُ بعدها الرحيل من ثبات كنت أدّعيته لأنّي أضعف من ألا أواجه الهواجس…

——

مشيتُ مشيتُ يا عُمر حتى حفيتُ، كنت أتجّه إلى حيث لا أدري، حين يدلّني قلبي أتبع الريح، وحين يدلّني عقلي أجلس وأتمدد…
غابت الكثير من الشموس وأذّنت صباحات كثيرة، قابلتُ غزلاناً ، أفياءً ، أنهاراً لا تشبه نهرنا، وأناس يبكون، وأناس يحملون أعلاماً ممزقة كأجسادهم، مررت بنار وهدم، مررت بقلوب خراب، وعيون بيضاء، مررت بحيّ ضيّق جداً تقطنه عائلات كثيرة خوفاً من الفضا، وبحفرة حفرها أب لعائلته حتى يرميهم في الراحة إلى الأبد، صار وجهي يحرقني دون سبب، لم أكن أعرف أن خارج قريتنا قيامة، وأن الصلبان تأكل نفسها هرباً من النار الدنِسة، كان داخلي يتلفّت ويستجدي، “عُمر عُمر عُمر” تتردد في أنحائي…
وصرت أتمنى أن أرتاح وأعود قبل هذا… قبل حتى أن أعرفك ! تخيّل !

ولكن لم أستطع أن أتصوّر حياتنا مع وحوش كامنة، كلّ القتلة كانو يلبسون رداءً سحرياً يخفيهم عمّا هم أصله، كيف كنّا نأكل الزيتون معهم؟ لا أستطيع أن أتخيّل زمناً مسحوباً إلى الوراء يخفيهم مرّة أخرى عنّا ، ويضعني طفلة تضحك في حضن أحدهم ينوي لي القتل غداً دون أن يعلم…

هذه الليلة سأبيتُ في خيمةٍ ملقاة بين الأشجار، بها بقايا طعام فاسد، بها بقايا أطفال أيضاً، وجدتُ على الصخرة التي شدّت إليها الخيمة قدم طفل صغير ولم أجد جسده بهتُّ وخرس قلبي، بقربها صورة عائلية توحي أنها لأهل الخيمة… تُرى من أبادهم وألقى بالذاكرة دون أن يلتهمها؟ من لعن نفسه واستهان بصورة ستجري خلف ظلّه ما دامت الشمس؟
رائحة دامية يضجّ بها أنفي، ورائحة باكية تضجّ بها روحي، لكن سأغمض عيني عن كلّ ما مرّ وأنام…

—–

طريقي لا نهاية له ، ويبدو أن الجرف الذي دفنتَ فيه رفاقك السبعة يقع في آخر الدنيا، هل تصرخ كثيراً يا عُمر كي يعودوا من الغيب؟
هل تنادي اسمي كي يشتمّ خطاي ويأتي بي؟ أم أن التراب صار قُدسك؟

شقّ السما واهبط، ان كنتَ تحوم في قطعة منها فوقي كما أحسّ… شقّ قلبي واهبط…

كنّا نعرف ضعفنا أمام ثقل الزمن، كان ذلك الضعف يوحدّنا أكثر ويجعل منّا فريسة مستساغة لليالي الوحيدة
المُتربة التي عجزت من خلال إيماننا أن تخيّم على القلب.

مرّت الأيام خاملة يا عُمر ، أنا وشجرتي الراسخة وآلة تسجيل كفيفة تحتاج إلى تيّارٍ كهربائيٍ يسير – انعدم في القرية منذ سنتين- فقط كي أستعيد ذاكرتي وذاكرتها، ودّعتها مذ أن استحال دفئي ونوري

ناراً أوقدها في هذا البيت الطيّب.

رافقتني شجرتي والنهر الصامت ببطء كدقّات قلبي، أتقاسم معهما صباحاً ترانيم فيروز

فتتحقق بعض الأماني، كالزغاليل مثلاً التي تتجمّع على يدي وتنقر بعضها لتلتقط اللوز والسكّر؛

كانت هذه أجمل اللحظات في عمري وأطولها.

خالية البيوت تماماً كما آخر عهدك بها وصامتة، إلا من أصوات غارات الطائرات لاتهدأ،

تزداد كلّما كانت السما أصفى، الدروب شفافة تختفي من تحتي كلّما عبرتها، ومشهد الذعر الذي اجتاح

أهالي القرية حين تركوها بما يلفّهم من ثياب بعد أن اجتاحتها عصابة الأسد في أيلول 2012

هو المشهد الوحيد الذي أغمضتُ عليه عيوني ودخلتُ روحي وأغلقتُ الباب.
ولا أملك سوى انطفائي أمام أنين النوافذ والأبواب وغريزة الذكريات التي تكشف عجزي أمام أي هروب.

لن أترك القرية دونك يا عُمر وأنتَ رحلتَ مع الليل، والعزلة أقوى مني ومن الليل،

أفكّر لو لم تذهب ليلاً لتنفيذ العملية مع رفاقك هل كان سيسرقك الصباح مني؟ أنا لا أترك الشبابيك أبداً،

وطيفكَ يفي بالوعد، يحملني إلى آخر النهر كلّ حين فوق المدينة والحواجز والتراب واللعنات والبكا ودمي.

أعلم أنك تخشى بقائي وحيدة هنا، لكن لن يكون من السهل عليهم التعرّف على البيت لأن القرية

بدأت تأخذ شكل جثة مهشّمة مختمرة بالحزن والصمت المخيف، وليس هناك وسيلة لمحاربتي سوى الصوت،

يمرّون في كل حين وينادون من يؤمنون أنهم خونة علّ زعيقهم يثير الحجر فيحكي، لكنّ الحجر وفيّ يا عُمر،

وفيّ لرسوماتي التي نقشتها على جسده، أتعلم أنّي كنت أرقبهم من تحت القشّ وقد أبهرتهم كائناتي الصغيرة؟

الكثير من نقوشات المولوي تنتشر على الأسوار والجدران والصخور التي تحرس الطريق.

يلعن أحدهم الدين والعرعور الذي نصحنا برسم هذه التعاويذ، فيضربه صديقه على قفا رأسه

ويخبره أن يجهّز نفسه “لقرقعة المتّة” في آخر الوادي.
يصرخون قبل الرحيل ليشقّ صوتهم الضباب فينتشر ليبحث عني خلف الزجاج المهشّم والمرايا الصدئة

وبين الجدران التي لا تحمل سقفاً ولاصورا … ثم لا يعود.

بعد أن مرّعلى ظلمتي وتعبي بسبب رحيلك عشرة أشهر قررت أن أهذي لك، أجمّع الكلمات على ورقة

أحبسها في زجاجة  وأرميها إلى النهرعلّ نهاية النهر قلبك.
أجلس تحت الشجرة وأحاول الاقتراب من الحياة أعانقها كي تهبني سريانها الدافئ وأبكي وأضحك

لا حزناً ولا فرحا مع كل اختلاج حنين، وأتذكّر أياماً كانت بها القرية بهيّة ملجأ للهاربين من الرصاص.

نعم.. لن أترك القرية دونك يا عُمر ولن أستطيع العودة إليّ ، سكّانها لا يمرّون، جفّت الأنوار والمطر جفّ،

وصار يتساقط في أيلول مع أوراق الشجر، كأنّ النسيان نجح بالهبوب،
وأنا السَعف الأخضر الوحيد الذي يباري كلّ هذه الصحراء، أحاربها بالكتابة إليك لأبحث عني وعن الصحو فيك.
ظننت أن السما أقرب وأنّ الطيران مهما هشّم ما حولي لن يستطيع أن يدنو من اكتمالي وغيمي.

كانت الطائرات تلقي رملاً، رملاً في عيوني رملاً في دمي رملاً على أشيائنا التي دفنّاها

حتى لا يعلم أحد سرّ ثورتنا،

لكنني في النهاية أخذتُ أستسلم للرمل… وأصبحتُ صفراء !

وغدت القرية أضيق من أيّ لون حتى جذع الشجرة الذي أصبح مأواي الوحيد استسلم للرمل !

احكيلي يا عُمر… احكيلي عن لون الغار الذي غرقت فيه بعيداً عني… ثم اقتلني…
احكيلي…

%d مدونون معجبون بهذه: